سلسلة النوبة في العصور الوسطي
إعداد محمد صلاح
تحدثنا من قبل عن النوبة في العصر الحديث (منذ القرن الثامن عشر) وايضا ممالك النوبة اصول عرقية فسوف نعرض فصولا عن النوبة في العصور الوسطي وعلي الرغم من أن كتب التاريخ ضنت بالكتابة عن النوبة إلا القليل وممن كتبوا عن النوبة وبصفة خاصة الأجانب مثل جون لويس بوركهارت وماك مايكل أما ممن كتبوا عن النوبة في العصور الوسطي مثل محمد عوض محمد (نهر النيل) والأثري سليم حسن (مصر القديمة)
من الناحية الجغرافية أطلق لفظ النوبة علي اجزاء وادي النيل الممتدة علي جانبي نهر النيل العظيم بين مدينتي أسوان والخرطوم الحالية .
ويتصف هذا الجزء بظواهر جغرافية مهمة أثرت في تاريخ الجماعات البشرية التي استوطنته في مختلف العصور ومن أهم هذه الظواهر كثرة انحناءات مجري النيل فيما بين أسوان والخرطوم فضلا عن اعتراض الجنادل وهو بهاتين الظاهرتين يمثل القطب الذي ترتبط به حياة السكان الذين تجمعوا في واديه الصحراوي الضيق وثمة ظاهرة أخري هي اختلاف الأحوال الجوية بين جزئي الأقليم فبينما نري منطقة نصيبها مطر صيفي محدود وتمتد من جنوبي بربر إلي الخرطوم نري منطقة نادرة الأمطار أو تكاد تكون عديمة الأمطار وهذه تمتد من شمالي بربر الي أسوان لذلك قسم الجغرافيين أقليم النوبة الي ثلاثة أقسام هي: وادي النوبة العليا ووادي النوبة الوسطي ووادي النوبة السفلي
أما وادي النوبة العليا فيمتد من التقاء النيلين الأبيض والأزرق الي دنقله وتبتعد حافة الوادي بعض الأحيان قليلا علي جانبي النهر فيتسع الوادي ويصبح له صفة الحوض الذي تنغمر بعض اجزائه في أيام الفيضان .
في هذه المنطقة (النوبة العليا) قامت دولة كوش وعاصمتها نباتا ثم بعدها مروي التي تكونت في منطقة يتسع فيها الوادي اتساعا ملحوظا حتي أصبحت مركزا زاول فيه السكان الزراعة وكانت مروي تعتبرا مركزا مهما للتجارة مابين الجنوب والشمال عن طريق النيل فحسب بل كذلك بين سهول كردفان بالغرب ومواني البحر الأحمر في الشرق
ووصف سترابون وديودور الصقلي وبليني هذه البلاد فأشار سترابون الي موقعها بين التقاء نهر ِAstabonas الأتبرا (عطبرة) ونهرِالنيل الأعظم وهى غنية بثرواتها المعدنية والغابية وكان سكانها يزاولون الزراعة والصيد فعلى الجانب الايسر كان يعيش النوبيون والليبيون وفى الناحية الشرقية الى البحر الاحمر كان يعيش الميجاباريون Megabari والبليميون اما الصحراء فكانت خالية من السكان
أما وادي النوبة الوسطي فيمتد من دنقلة الي حلفا وكان ولايزال جزءا اساسيا من أوطان النوبيين واحتفظ النوبيون به عندما اضطرتهم الأحوال البشرية التي سادت إلي التخلي عن أغني اجزاء من وطنهم ويتصف هذا الأقليم بضيق واديه وكثرة مايتعرض مجري النهر من جنادل ويقلل القيمة الإنتاجية لهذا الأقليم ضيق الشريط الخصيب علي جانبي النيل وأرتفاعه كثيرا عن مستوي النهر وكذلك يقع هذا الأقليم في وسط نطاق عديم المطر وتتراوح كمية المطر السنوي بين صفر وخمسة ملليمترات.
اما وادي النوبة السفلي فيمتد بين وادي حلفا الي أسوان ويمثل بذلك المرحلة الأخيرة للوادي الضيق وهذا الجزء من النوبة محدود القيمة ففي مدة ارتفاع المناسيب يبدو النهر منحصرا بين حائطين جبليين شديدي الإنحدار ويبدو هذان الحائطان عموديان في بعض المواضع .
اما فيما يتعلق بالنهر ذاته فمعتدل الجريان صالح للملاحة وفي مدة إنخفاض المناسيب ينحسر النهر عن شريط ضيق وفي هذا الشريط يكثر النخيل ويهبط السكان في حافتي الوادي ليمارسوا الزراعة فيزرعون مساحات محدودة للغاية , أما في موسم الفيضان فتنغمر هذه المساحات ويصعد السكان الي قراهم ويباشرون زراعة مساحات أشد ضيقا في مصاطب يعدونها علي منحدرات فيرفعون الماء اليها بالسواقي .
ويعتبر هذا الأقليم وقد بدي فقره موطنا من مواطن العزلة التي يعبر عنها العلماء بأنها مناطق الطرد
عرفت هذه المنطقة جميعها (النوبة العليا والوسطي والسفلي) والتي تمتد من الشلال الأول جنوب أسوان الي جنوبي التقاء النيلين الأبيض والأزرق باسم النوبة فما مصدر هذه التسمية ؟
جاء في النقوش المصرية القديمة ذكر كلمة نوب ومعناها الذهب اشارة الي المنطقة جنوب أسوان (الأسرة الثانية عشرة في عهد الملك امحتب الأول)
وظهر في نقوش الدولة القديمة علي هذه البلاد اسم خنت , وأطلق اسم كوش علي الأقليم الواقع جنوبي حلفا وعاصمته نباتا ويحكمه نائب ملك
ومن المعروف والموثوق به تاريخياً أن النوبيين هم من بقايا الشعوب التي تألفت منها المملكة الأثيوبية القديمة ، ولا شك كذلك في أن النوبيين هم أصحاب تلك الحضارات والممالك التي قامت في السودان وصانعو مجدها ، وحاملو لغتها ومخلفو هذا الإرث العظيم. وكثيرة هي الآثار والمخلفات التي تدل على أصالتهم وقدمهم في تلك المنطقة.
إلا انه ولما كانت التحركات السكانية مستمرة بلا انقطاع خلال التاريخ القديم والحديث فان عناصراً سكانية جديدة وفدت على هذه المنطقة (منطقة النوبيين) واندمجت فيها وتداخلت مع المجموعات النوبية التي سكنت المنطقة مما ترك اثره في الخصائص العامة للسكان النوبيين وبالتالي تكون الشكل العام للبنية السكانية العامة للنوبيين بسماتهم وصفاتهم المميزة التي نراها عليهم الآن.
وقد أثار الباحثون والكتاب المعاصرون جدلاً واسعاً في محاولاتهم تحديد أصل النوبيين القديم وذهبوا في ذلك مذاهب كثيرة مما ابرز نظريات متعددة خلال تناولهم للأصول السكانية لأصحاب الحضارات النوبية.
فألحقهم بعضهم بالجنس المصري القديم (المصريون القدماء) يقول محمد عبد الغني: (والشعب النوبي القديم من نفس السلالة التي ينتمي إليها المصريون القدماء … إذاً فالنوبيون بقية من العنصر الحامي)
(ولقد ذهب البعض إلى أن المصريين جالية نوبية نزحت من الجنوب إلى الشمال. ويذهب فريق آخر إلى القول إن النوبيين أصلهم مصريون نزحوا من مصر إلى الجنوب ولعل وجود الآثار المصرية والآلهة والأهرامات معالم يستدلون بها على ذلك
ويعتقد أصحاب الرأي القائل بوحدة الجنس المصري والنوبي أن (كوش) الذي ورد اسمه في التوراة والإنجيل هو (جد النوبيين) واخو مصرايم (جد المصريين) وكلاهما من حام بن نوح.
ومما يقوي عندي هذا الاعتقاد أن: (كوش بن حام كان له ولداً اسمه نوبة وهو والد امم النوبة)
واعتماداً على هذا الاعتقاد نرى أن الشعب النوبي هنا من العنصر الحامي الذي يندرج تحت السلالة القوقازية.
وهنالك زعم آخر في تحديد الأصل النوبي وهو الرأي القائل: بأن النوبيين هاجروا إلى مساكنهم من جبال كردفان ويستدلون على ذلك بالتقاء اللغة النوبية ببعض لغات جبال النوبة وغيرها في بعض أشكالها ومفرداتها. إلا انه لم يقم حتى الآن دليل لغوي علمي يثبت دعوى التشابه والاتصال بين لغة النوبيين وتلك اللغات
ويرد بعض الباحثين أصل النوبيين إلى شمال أفريقيا (ليبيون) انحدروا من الشمال عن طريق الصحراء الكبرى إلى وادي النيل.
ويعتقد بعضهم إلى أنهم ينتمون إلى العنصر الزنجي واستدلوا على ذلك من رسم أشكال الناس من حيث التقاطيع الزنجية الواضحة لأشكال السودانيين على جدران المعابد النوبية وفي تماثيل الملوك السودانيين.
وهنالك قول آخر بان النوبيين نزحوا إلى وادي النيل من المغرب.
وهكذا اختلف العلماء والمؤرخون في تحديد أصل النوبيين وكثرت أقوالهم في ذلك وحاولوا قدر جهدهم أن يحددوا أصل النوبيين. يقول الأستاذ حسن الشيخ قريب الله (إن المهم عند هؤلاء المؤرخين وأمثالهم أن يثبتوا النزوح وعدم أصالة النوبة بأرضهم … ليتفرغوا للبحث عن الأماكن التي نزحوا منها… علماً بأننا لو تأسينا بأمثال هؤلاء في مثل هذا المنحي غير العلمي لتساءلنا عن الموطن الأصلي الذي كان يسكنه أولئك النوبة قبل أن يستقروا بليبيا أو المغرب أو جبال كردفان … وبما أن تساؤلاً كهذا يؤدي إلى التسلسل والتسلسل باطل علمياً فان ما ينبني على الباطل من افتراضات ساذجة يعتبر باطلاً).
ومهما يكن من أمر فان الحديث عن وحدة الجنس والنقاء البشري من الأمور التي يصعب الحزم في أمرها.
والمعروف عن النوبيين في المنطقة الواقعة بين أسوان جنوباً والدبة في شمال السودان قدماء قدم الإقليم وان بلادهم تعرضت منذ فجر التاريخ لسلسلة من الغزوات أتاحت لهم فرص الاتصال بالعالم الخارجي والاختلاط بغيرهم من الشعوب تولد عنه عنصر جديد يختلف عن العناصر القديمة التي سكنت وادي النيل قبل آلاف السنين فصار من الصعب معها تحديد أصلهم وإلحاقهم بجنس معين.
والي لقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله ...............................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع: أ. حسن الشيخ قريب الله نوبة السودان
اد. مصطفي محمد سعد النوبة المصرية
د. محمد عوض محمد نهر النيل
الأثري سليم حسن مصر القديمة





